دعا خبراء
تربويون ولغويون عرب يوم السبت في مؤتمر (لغة الطفل العربي في عصر
العولمة) الى الاهتمام باللغة العربية في المناهج التعليمية والبرامج
الاعلامية الموجهة للاطفال محذرين مما اعتبروه غزوا لغويا.
وأشارت كلمة عبد العزيز التويجري المدير العام للمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو) في حفل الافتتاح بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة الى أن الطفل العربي أول من يتأثر بضعف اللغة في سياق غزو الثقافات الاجنبية للسان العربي حيث لا يقل "التلوث اللغوي" الذي يتعرض له الاطفال في خطورته عن أي نوع اخر من التلوث.
وحث التويجري على اصلاح لغة الطفل العربي وتقويم لسانه وتحبيب اللغة العربية اليه مشيرا الى أن من آثار "الغزو اللغوي" أن أصبحت لغة الطفل العربي "في حالة من الهشاشة بحيث تدق ناقوس الخطر."
وعرض في افتتاح المؤتمر أوبريت غنائي عنوانه (مرحى يا أبناء الفصحى) كتبه الشاعر المصري حسن طلب ولحنه منير الوسيمي وأخرجه انتصار عبد الفتاح.
ويتناول الاوبريت هواجس الاطفال بشأن واقع اللغة العربية ومستقبلها من خلال حوار بينهم وبين الام-اللغة التي تقول لهم "أنا أمكم اللغة العربية- أسلمت لكم بالامس مفاتيح رموزي-وفتحت كنوزي للبشرية-فأخذت وأعطيت-وأظهرت وأخفيت-ولكني حافظت على استقلالي.أنا يا أبنائي غذيت العلم-وأرضعت الادبا-وحملت رسالتكم للناس على خيلي-وبفضلي أصبحتم عربا".
ولا يدور الحوار بين الام والاطفال بمنأى عن المشهد الجاري في العالم العربي حيث يقول الاطفال "أما نحن فمن قلب الاهوال سعينا-فركبنا الاخطار وقاسينا-ودخان القصف يخيم يا أم حوالينا-لا يتركنا نعرف هل أصبحنا.. أم أمسينا... جئنا نحمل عهدا وسلاما-من أطفال القدس وغزة-من بيروت ومن بغداد-مهاد العزة والامجاد".
وفي كلمته ربط طلال بن عبد العزيز آل سعود رئيس المجلس العربي للطفولة والتنمية منظم المؤتمر بين قوة الامة وموقفها من لغتها مشيرا الى موقف اليابان عام 1945 بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية حيث "قبلت جميع القيود السياسية والعسكرية والاقتصادية على مضض الا أنها رفضت رفضا قاطعا أن يتم المساس بلغتها وثقافتها ولم تتمكن القوى العالمية رغم الضعف الذي بدت عليه اليابان في ذلك التاريخ أن تنال من اعتزاز الشعب الياباني بلغته وثقافته وحضارته."
واستعرض الناقد الادبي السعودي أحمد المعتوق واقع لغة الطفل العربي في دول الخليج بعد ازدحام مدن دول الخليج بالعمالة الاجنبية واتساع أعمال شركات البترول الاجنبية التي استقدمت خبراء ومهنيين من جنسيات مختلفة يستخدمون في التخاطب اللغة الانجليزية التي "تسرب الكثير من عناصرها" الى المجتمع المحلي لدرجة التنافس مع العربية.
ولا يقتصر الامر على تهديد الانجليزية وحدها لمستقبل العربية من وجهة نظره "حيث شجع الثراء وحب الوجاهة على اتخاذ الخدم والسائقين وجلب الحاضنات والمربيات الاجنبيات لخدمة الاطفال أو تربيتهم في بيوتهم. وبذلك بدأت العربية لغة المجتمع صراعها مع لغات هؤلاء الى جانب صراعها القوي مع الانجليزية لغة الغازي المتفوق كما امتد هذا الصراع الى الحياة الخاصة ليهدد لغة الاطفال بدءا من نشأتهم الاولى."
وقال المعتوق ان "التهديد الكبير" للغة الطفل العربي في الخليج يتمثل في الاقتراض غير الارادي لمفردات أجنبية مكتوبة ومنطوقة في المحيطين العام والخاص كما يكمن "الغزو النفسي" للانجليزية ليس في اللهفة على تعلمها وانما في الاقبال الشديد عليها من شرائح مختلفة "بدافع التباهي بمعرفتها على أساس أنها لغة الجنس الارقى.. في مقابل الانتقاص من اللغة الاصلية والشعور حيالها بالدونية والتخلف."
والمؤتمر الذي يناقش خلال ثلاثة أيام أكثر من 40 ورقة بحثية يتزامن انعقاده مع الاحتفالات الدولية باليوم العالمي للغة الذي تطلقه منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة )اليونسكو/ في التوقيت نفسه.
ومن القضايا المطروحة للبحث (تحديد أدوار اللغة العربية ووظائفها في تشكيل الهوية العربية) و/امكانية تعلم العلوم الحديثة باللغة العربية والاطلاع على الخبرات الاجنبية في هذا المجال/ و/استراتيجية مستقبلية لتمكين الطفل العربي من استخدام لغته القومية بكفاءة/ و/اشكالية الشعر الموجه للطفل/ و/لغة الفضائيات وتأثيرها في تشكيل هوية الطفل العربي/ و/واقع اللغة في عالمنا العربي واستخداماتها/ و/الثنائية اللغوية في المجتمعات العربية/.
وقال المجلس العربي للطفولة والتنمية في بيان إن اللغات القومية مهددة بالذبول والموت في مواجهة اللغة الانجليزية حيث تشير التقديرات العالمية الى أن عدد لغات العالم الان يتراوح بين ستة الاف الى سبعة الاف لغة وأن نصف هذه اللغات مهددة بالانقراض في السنوات القادمة وسينقرض 90 في المئة منها خلال هذا القرن.
وأشار الى أن حماية اللغات القومية أحد أهداف اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الامم المتحدة 1989 حيث تنص المادة 29 منها على احترام هوية الطفل "الثقافية ولغته وقيمه الخاصة والقيم الوطنية للبلد الذي يعيش فيه الطفل والبلد الذي نشأ فيه في الاصل والحضارات المختلفة عن حضارته."
وأضاف أن اللغة العربية تراجعت في البيت والمدرسة والجامعة والشارع والمؤسسات الرسمية "ولو بقي الحال على ما هو عليه فقد تصل اللغة العربية الى وضع يستحيل معه انقاذها مما سيحرم العرب من لغة مشتركة تعزز تضامنهم" مشيرا الى أن المسافة بين الفصحى واللهجات الدارجة تزداد اتساعا وأن الجهود التي بذلت في التصدي لهذه الاوضاع والتنبيه لخطورتها لاتزال محدودة لا تجمعها خطة أو مشروع قومي.
ويعقد المؤتمر بالتعاون مع منظمات دولية واقليمية هي اليونسكو والمنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسيسكو) وجامعة الدول العربية وبرنامج الخليج العربي لدعم منظمات الامم المتحدة الانمائية والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية.









