قصة قصيرة ..بقلم محمد سليم
---------------
فى جوف الليل ، جرس التليفون يتربص بى ,,, ,,,يصر,,, و يستميت على أن أقتل رنينه المتواصل,, أو أقربه من شفتاي ,,, أو أتناوله وأسمع منه ويسمعني ,,, تأملته باشمئزاز ,,, وهو يئن ويصرخ ,,, يولول ,,, يأبى إلا أن يُخرس صوته,,,
هرولت لإسكاته,,,
**: آلو,,,
** : أحضر حالا ...أمي... ماتت,,,
** : ماتت ؟ ,,, الآن بمنتصف الليل ! ,,, أمتأكدة أنها ...!.... ,,,
وقضت على الحديث بـ كلمة واحدة يتيمة
** : ماتت . ,,, حينئذ غرقتُ بدموع زوجتي المنهمرة كشلال هادر ,,,,
ثم قُطع الطريق علىّ ,, صرت وحيدا ,,أحدث نفسى : لابد ,,,ولا مفر ,,, وتمتمتُ بكلمات أخرى عديدة ,,,ثم هرولت أبدل ثيابى ,,, بعدما غيرت أماكن نوم الأولاد ,,, لملمت كل صغير بجوار أخاه وأخته الكبرى ,,,ووعظت فى الكبير بجلل الأمر وليكتمه حتى حين ,,,
..وهناك .....
أتممت إجراءات الدفن وكل ما يلزم فى هكذا أحوال,,, وانتظرت بين المشيعين والمودعين بكل جدية ورجولة ,,,و حتى خروج المتوفاة إلى مثواها الأخير ,,, مرت الدقائق كدهر سنين ,,,,,,وأخيرا ,,,,,,
أُخرجت المرحومة,,, محمولة,,, على أكتاف شبان الحارة و بعض المودعين والمشيعين ,,, لملمت تصريح الدفن المشهر بيدي ,,, وضعته بجيبي وهرولت في أثرها ,,, تأبطت ذراعها وهى تجرجر قدميها خلف أمها .. تكاد تسقط من ثقل الأحزان وأنا ألهث من ثقل ما أحمل من هموم وأفكار ,,, وصعدنا داخل سيارة نقل الموتى وعلى كرسي خشبى مستطيل فى مواجهة الحاجة المتوفاة ,,,,,,,,, جلست ملتصقا بزوجتي وممسكا بيديها ,,,
,,,,, و,,,,,
أغلق الباب ,,, أنا وزوجتي ونعش ,,, أو كـــ.. حارس لجثة مسجاة فى الكفن الأبيض ,,, أتأمل زوجتى ,,, تسكب دموع رقراقة عذبة تنساب بسهولة ويسر,,, وأهمس فى سرى : دعها تبكى وتأن , ,, ستجف العبرات بعد حين,,, فهى الغسيل الشافي للعين،،، أتحسس عينى جافة ! ,,, ألا تغسل بعبرتين !هكذا حدثت نفسى ,,, وأُخطأ للمرة العاشرة وأُخرج تصريح الدفن من جيب بنطالى ,,, أتمهل فى قراءته ,,, وأهمس بلكنة : هو تصريح الدفن,,, أدسه فى جيبى .. وأعاود الكرة لأخرج منديلى ,,, أجفف العرق الساقط حتى عنقى وأمسح وجهى ,,,
,,,,,,,, الحمد لله ,,,,,,,,,
تتحرك السيارة بحبو فى طريق القبور,,, يلفنا سكون وصمت الموت,,, دارت عجلة الأيام ودارت الأفكار,,,,,,,,, تتراءى أمامى صورا من أوهام ,,, خيالات تتوالى كشلال مياه هادر ,,, تسقط على المحزن والأليم وتتلبد فيه ,,,
وعلى حين غرة ,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,,
كفوفي ترتعش فى كفوف زوجتي,,, ,,, أرتعد خوفا برغم حرارة تلسع جسدي ,,, ,,,معقول ما أرى !,,,لا,,,لا ,,,خيال ,,,أوهام ,,, أفرك عيناي ,,,أجحظ فيهما بقوة فيرتفع حاجباي وتخفى الجبهة ويشتد الألم وتزغلل عينى أكثر وأكثر ,,, عجزت تماماعن التقاط الأنفاس الهاربة ,,أو الصراخ بأعلى صوت ,,أو أفز واقفا ,,, و تشير سبابة يدى وتُردد : الحاجة مسجاة داخل كفنها وبأربطة متينة على ال رأس والقدمين,,,. ,,, لا ,,, لا ,,, هــى حية تنسل...رقطاء تنساب من الكفن الأبيض ,,, تخرج لسانها المعقوف فيزداد طولا على طول,,, ومسرعا يرتد مرة أخرى إلى داخل الفم وليعيد الكرة... ملامح الوجه تتصلب وتلين... ، وضحكات مدوية تتردد وتتكرر,,,
فقط ,,أنكمش و أتكور,,, صرت أحدبا قرفصا ,,عيناي تحدق فى عينيها ,,,عينان ,,
عينان تخرجان خيوط من دم جارى ,,, تقترب منى ,, تتفحص وجهى بعبوس متهجم,,, أهمس فى ذاتى : ألا تعلم تلك الحية من أنا ؟ ! ,,, هل ...؟ ,, وأعيد الهمس ,,أنا زوج أبنتها الوحيدة ! ,,,لا ,,لا ,, اتركيني ,, دعيني ,,, أبعد أتمام إجراءات الدفن والتشييع ! ,,, أبعد الجهد والتعب بإخلاص ورجولة ! ؟,,,
أفتح عينى وأذنى على صوت : ما لك ,, المدفن ,,محمد ,,أبو سليم ,,تنبهت وعاد وعيّى ,,, وقلت صارخا بأعلى صوت : الله يسامحها ,,,مسامحها ,,, وانطلقت هاربا من قبو السيارة اللعين ,,, وأنا أتحسس تصريح الدفن ..........للحاجة الحية .....وعلى رأس القبر زُرعت ,,, أراقب النعش حتى اختفى تحت التراب ,,, وأخيرا ,,, تحلقوا حولى المشيعين والمعزين بوجوههم المحدقة وألسنتهم المعق ودة وقد هيئوا أكفهم لمصافحة يدى ,,, وإذا بى سحت ,,, غرقت فى سيل من دموع وسقطت مغشيا على الأرض,,, نحيب بحرقة ,,, أبكى أمى
التى
ولدتنى









